Thursday, 2 September 2010

في الحضانة ( 1 \ 2 ) - أبلة عزة يا حلاوتها

أذكر جيداً أنني كنت طفلاً هادئاً جداً هدوءاُ كلما تذكرته الآن أمقته و أسخط عليه ؛ لكنه مع أية حال قد كان طبيعتي و سمتي .
يبدو أن أمي قد توسمت فيّ خيراً منذ صغري و شعرت أن الواد ده ييجي منه ؛ فأرسلتني إلى الحضانة عند مُفتتح سنتي الرابعة لأنهل من المعرفة نهلاً و أتعلم القراءة و الكتابة و الحساب اختيارياً قبيل التحاقي بالتعليم الإلزامي علّني حينها أتفوق على رفاقي الصغار و أبلغ من النبوغ مبلغاً  , أو على ما أظن - و هو الأرجح - أنها كانت العادة حينما يبلغ الصغير سنته الرابعة يدفعونه إلى الحضانة دفعاً - كان أغلبنا من الصغار -  مُكرهين عليه مغصوبين , و لكن ما باليد حيلة ؛ هتروح الحضانة يعني هتروح الحضانة .
أرسلتني أمي إلى حضانة "أبلة عزة" التي لا تبعد عن بيتنا سوى عشرات أمتارٍ قليلة ؛ و التي مكثت فيها عامين حتى بلغت سن القبول للتعليم الأساسي .
الغريب في الأمر أنني و رغم حداثة سني حينها و رغم قِصر المدة التي أمضيتها في الحضانة و رغم تباعد السنين إلا أنني أذكر عشرات المواقف التي مرت بي فيها على عكس المرحلتين الإبتدائية و الإعدادية اللاتي لا أذكر منهما سوى قليل القليل !!
حضانة "أبلة عزة" ؛ أبلة عزة العطوفة الهادئة الطيبة التي كان كل أطفال الحي ممن يذهبون إلى حضانتها يحبونها حباً  جارفاً كان يتحول في كثيرٍ من الأحيان إلى تعصُّب حينما يجادلهم فيها أصدقائهم الصغار ممن يذهبون إلى حضانة "أبلة نشوة" الشريرة التي كانت دائمة السباب و الضرب و الصوت العالي المسرسع الكريه .
كانت أوج ملامح و سمات الجدال بيننا و تعصب كلٍ لأبلتهم حينما نقوم بتلاوة النشيد المقدّس لحضاتنا الميمونة و الذي كنا ننشده يومياً في مفتتح اليوم الحضانيّ و منتصفه و منتهاه و في كل وقت ينقح علينا فيه عِرق محبة أبلتنا الطيبة  "أبلة عزة" و الذي كان نصه : 
" أبلة عزة يا حلاوتها , مين يدّيني صورتها , هي هنا ؟ , لأ مش هنا , لازم تكون عند الأطفال , سقفة هنا , و سقفة هنا , هيييييييه - تصفيق" .
لا أعرف حقاً من هذا الشرير الذي قام بتأليف هذه الأنشودة البلهاء ؛ و الذي جعل أقصى أحلامي و طموحاتي  طوال عامين من عمري أن أحصل على صورة "أبلة عزة" أو أن أعرف مكان هؤلاء الأطفال الذين تتركنا من أجل أن تذهب إليهم  , و هل هم فقط الأطفال و نحن ما سواهم ؟ , يا ترى أهم أجمل منّا أم أكثر أدباً أم ما الشيء العظيم الذي يميزهم و ينقصنا حتى يجعل "أبلة عزة" تتركنا  لأجلهم ؟؟ ؛ للحق كان هذا هو جُلّ ما يشغل بالي و يؤرق نومي خلال تلك الفترة من عمري .
 مولودٌ أنا بنعمة قِصر النظر ؛ و لم أرتدِ نظارة طبية إلا حين بلغت سن الخامسة ؛ مما يعني أنني ظللت سنة بكاملها في الحضانة برؤية ضبابية جاهلاً تفاصيل كل ما و من يبعد عني أكثر من خمسة و عشرين سنتيمتراً ؛ محاولاً تبُّين كل ما يبعد عني بأكثر من هذه المسافة ضاغطاُ عضلات عيني مقلصاً المسافة بين جفنيّ في حركة لا إرادية أغلبنا يقوم بها  حين يضحك .
رغم ذلك فقد كنت أجلس في آخر "دكة" في الفصل الدراسي معتمداً فقط على حاسة السمع لأعرف ما تقوم "أبلة عزة" بإلقائه علينا .
من أجل هذا فأنا لا أذكر ملامح "أبلة عزة" إطلاقاً ؛ فهي لم تقترب مني و لم أتعامل معها مباشرةً تعامل رجل لرجل سوى مرةٍ واحدةٍ فقط سأظل أذكرها ما حييت .
يومها كنت قد مللت من اجتهادي في سماع ما تقوله خاصة و أنها كانت تقوم برسم توضيحي لما تقول على "السبورة" و التي كان تحليقي في السماء عالياً دون أجنحة أسهل من أن أرى ما عليها من نقوشٍ و تعاويذ ؛ فانسللت من مكاني بـالدكة الأخيرة ذاهباُ إلى المسقط - و هو منور المنزل الذي كان يقع به مقر الحضانة - و الذي كان أصحاب المنزل يربّون فيه "حماماً" و هو ما كان عشقي و معشوقي حينها .
حتى الآن لا أعرف من الوغد الذي قام بالفتنة عليّ عند "أبلة عزة" التي ما إن التفتُّ إلا و وجدتها مصوبةً إليَّ نظراتٍ مستعرةً  و أنا أداعب الحمام في لطف و براءة . في أقل من دقيقة أمرت اثنين من عتاولة أطفال الحضانة بسحبي و تكتيفي في كرسي المدّ ؛ و المدّ لمن لا يعرفه هو صنف من صنوف العذاب المهين . يقوم فيه المُعذِّب بضرب المُعذَّب على قدميه الحافيتين بواسطة عصاه خشبية  , طويلة , رفيعة , اسطوانية الشكل , مصمتة , ملساء , كهربائية النزعة , جمرية التأثير تُسمّى بالعامية "الخرزانة" ؛ أمرتهم أن يُحكموا الإمساك بي ثم أخذت تُكيل إليّ الضربات على قدميّ الصغيرتين العاريتين غير آبهةٍ ببكائي و توسلاتي و قسمي لها أنها ستكون آخر مرة أدخل فيها "المسقط" و ألعب فيها مع "الحمام" . حين انتهت أمرتني أن أجري على قدميّ طوال محيط الفصل ؛ و هو الأمر المتعارف عليه بعد عملية "المدّ" حتى لا تتورم القدمان . أذكر حينها أنني مشيت بضع خطىً قليلة ثم توقفت غير متاثرٍ بوجع الضربات قدر تأثري بوجع إهانتي أمام زملاء الحضانة كافة ؛ و كانت تلك هي أول و آخر مرة "أتمدّ" فيها على رجلي  .
أكتفي بهذا القدر من السرد منعاً لملل الإطالة ؛ و للحديث بقية .

8 comments:

كــركــبــة دمـــاغ ㋡ said...

هههههههههههههههههههههههههههههههههههه

شريرة ابله عزة

تصدق انا طول البوست وعمال اتخيل وشها السمح وانه خلاص شويه ويطلعلها جناحات الملايكه

فـ الاخر كرهتها قوي ولقيت الشر بيطق منها

المهم سؤال يطرح نفسه ارضاً وجواً

انت بتكتب الفصحى ده ازاااااااااااااااي !!! وبتجيب كم الكلمات والمصطلحات والمرادفات الهائله دي منييييييين !!

لا ومدخل فـ النص حاجات عاميه كده ع خفيف

مخليه الواحد مستمتع كده وهو بيقرأ

بس انت رخمت فـ الاخر وقولت هتكمل الحلقه الجايه

احنا فينا من كده برضك !!!

ما تكملها للآخر واللي يزهق يقرأ نص والنص التاني بعدين

ماشي ماشي

مستنين البقيه بتاعت الحديث

احم احم

ودمتم سالمين

دودو said...

هههههههه
دى شريره بشكل
عارف انت لو كنت كبير شويه
كنت استشفيت ان اللى رضيت يتعمل لها نشيد زى ده
اكيد شريره
معلش بقى

انا زيك بالظبط ليا ذكريات مؤلمه فى الحضانه بس مع ابله خديجه
بس انا هرشتها من اول يوم .....وعرفت انها شريره من اول يوم

مستنين البقيه
:)

Eldebug said...

ههههههههههههه
لازم تاخد بطارك يا نجار .. لم كل ضحاياها وروحوا غنولها النشيد ده تحت البيت :
ابلة عزة يا وحاشتها .. مش عاوز اشوف صورتها ، هى هنا ؟ لأ مش هنا .. طيب الحمد لله

جامد البوست يا كبير

حفيدة عرابى said...

كتبت لك تعليق يجى جريدة حكومية فى عددها الاسبوعى بس بحركة لا توصف الا بالذكاء الخارق فصلت الكهربا عن الجهاز
اكيد من حسن حظك

كنت هعملك مفاجأة واقولك بعد المدة الطويلة دى انى انا ابلة عزة برقتها وحلاوتها وحنيتها
لكن بعد ماظهر شرها قررت برضه اعملك مفاجأة واقولك انى هى ابلة عزة بجبروتها

اسلوبك حلو قوى ياباشمهندس والعربى بتاعك جميل ورشيق

وعجبنى قوى وانت بتوصف حاجات ولا نعرفها:)
زى فعل المد وأدواته وطرقه وازاى المدرسين كانوا بيدربوهم فى أقسام البوليس على اخفاء اثار التعذيب

مسلسل النوستالجيا ده رائع
وأوبشن العيال الرخمة اللى بتفتن دى
مش عايز ينتهى من الدنيا

وكمان الامهات ربنا يديهم الصحة ويبارك فى عمرهم أيام ماكان لسه البنى ادم بيترقى بتعليمه وبمجهوده واد ايه كانوا حريصين على اد مايقدروا يدونا فرصة نبقى حاجة محترمة

وأكدت على فكرتى ان تمجيد السلطة لنفسها واجبارها لينا عليه شىء أصيل فى تركيبتنا
الله يديله على اد نيته فرعون هو اللى كان فاهمنا

كمان حسستنى بالذنب لانى غلطت الغلطة دى اكتر من مرة وعاقبت طالبات بحجة الاستهتار مع ان مشكلتهم انهم كانوا محتاجين حد بس يفهم انهم عايزين نضارة



كمل بسرعة الله يخليك ياباشمهندس:)

لماضة said...

انت ازاي يابني تخلي الابله تضربك
انا اللى كنت بضربها
:))
الحمد لله عمري ما اتمديت كنت بتكرش بس

يا مراكبي said...

يعني يوم ما تفتكر ذكرياتك الطفولية الحالمة تقوم تفتكر المد عالرجلين؟

ايه الرومانسية دي كلها؟

عموما تعيش وتاخد غيرها .. لما تتجوز بقى

norahaty said...

وجعت قلبى
الله يســامحك
ويجازيها بفعلتها
هى ومن يفعل مثلها

norahaty said...

أتنكدت انا
كده على الصبح
ياريتى ما قرأتها